الجواد الكاظمي

304

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

« وأَرِنا مَناسِكَنا » عرّفناها ، ومن ثمّ لم يتعدّ إلَّا إلى المفعولين ، أي متعبّداتنا [ وقيل أظهرها لأعيننا حتّى نراها ] قال الزّجاج كلّ متعبّد منسك ، والمراد تعريف المواضع الَّتي يتعلَّق بها النّسك لنفعله عندها ، ونقضي عبادتنا فيها على حدّ ما يقتضيه توقيفنا عليها ، فعلى هذا المراد بها ما يعمّ نحو الطَّواف بالبيت والسّعي بين الصّفا والمروة والإفاضة من عرفات ونحوها من مناسك الحجّ . روي أنّ جبريل أرى إبراهيم المناسك كلَّها ( 1 ) حتّى بلغ عرفات فقال : يا إبراهيم أعرفت ما أريتك من المناسك ؟ قال نعم ، فسمّيت عرفات ، فلمّا كان يوم النحر وأراد أن يزور البيت عرض له إبليس يسدّ عليه الطَّريق فأمره جبرئيل عليه السّلام أن يرميه بسبع حصيات ، ففعل فذهب الشيطان ، ثمّ عرض له في اليوم الثاني والثّالث والرابع كلّ ذلك يأمره جبرئيل برمي الحصيات . والنسك في الأصل غاية العبادة شاع في الحج وأفعاله ، وقيل أراد مذابحنا للنسائك والأول أقوى كذا في مجمع البيان ( 2 ) ويؤيده أن الذبح إنما سمي نسكا لدخوله تحت أصل معنى النسك وهو التعبد ، فحمل المناسك على جميع أفعال الحج أولى ، قال صلى الله عليه وآله « خذوا عني مناسككم » ( 3 )

--> ( 1 ) انظر الأحاديث بهذا المضمون مع قليل تفاوت في الألفاظ في الدر المنثور ج 1 من ص 137 إلى ص 139 ورواه باللفظ الذي حكاه المصنف في تفسير النيشابوري ج 1 ص 152 ط إيران عن الحسن . ( 2 ) المجمع ج 1 ص 210 . ( 3 ) في المنتقى بشرح نيل الأوطار ج 5 ص 70 : وعن جابر قال : رأيت النبي يرمى الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول لتأخذوا عني مناسككم أنى لا أدرى لعلى لا أحج بعد حجتي هذه ، رواه أحمد ومسلم والنسائي انتهى وهو في صحيح مسلم بشرح النووي ج 9 ص 44 والنسائي ج 5 ص 270 ورواه أبو داود أيضا انظر ج 2 ص 272 الرقم 1970 . قال محمد محيي الدين عبد الحميد في تذييله هذا الحديث ليس في رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري ، وقال الحافظ المزي هذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسه ولم يذكره أبو القاسم قلت وأخرجه مسلم والنسائي انتهى . ورواه ابن ماجة أيضا في ص 1006 بالرقم 3023 بلفظ لتأخذ أمتي نسلها فإني لا أدري لعلي لا ألقاهم بعد عامي هذا . وفي فيض القدير ج 5 ص 260 عند شرح الرقم 7221 من الجامع الصغير أنه أخرجه أيضا ابن خزيمة وأخرجه في الدر المنثور أيضا ج 1 ص 225 عن مسلم وأبي داود والنسائي وأخرجه البيهقي ج 5 ص 130 وفي كنز العمال ج 5 ص 51 بالرقم 450 . ثم قوله « لتأخذوا » قال النووي هي بكسر اللام وهي لام الأمر ومعناه خذوا مناسككم قال وهكذا وقع في رواية غير مسلم ، قلت وفي سنن النسائي : رأيت رسول الله ( ص ) يرمى الجمرة وهو على بعيره وهو يقول يا أيها الناس خذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا ثم قال النووي : والمعنى أقبلوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس . ثم قال النووي وغيره هذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج وهو نحو قوله صلى الله عليه وآله في الصلاة صلوا كما رأيتموني أصلي قال القرطبي ويلزم من هذين الأصلين أن الأصل في أفعال الصلاة والحج الوجوب الا ما خرج بدليل كما ذهب إليه أهل الظاهر وحكى عن الشافعي . وقال على ما حكاه الشوكاني في نيل الأوطار ج 5 ص 71 : روايتنا لهذا الحديث بلام الجر المفتوحة والنون التي هي مع الألف ضمير ، أي يقول لنا خذوا مناسككم فيكون قوله لنا صلة للقول ، قال وهو الأفصح وقد روى لتأخذوا بكسر اللام للأمر بالتاء المثناة من فوق وهي لغة شاذة قرئ بها رسول الله في قوله « فبذلك فلتفرحوا » انتهى . قلت وعلى روايته الأولى تطابق حكاية النسائي كما عرفت وحكاية الفقهاء مرسلة في الكتب الفقهية فإنه فيها خذوا عني مناسككم . قال الشوكاني بعد نقله كلام القرطبي : والأولى أن يقال إنها قليلة لا شاذة لورودها في كتاب الله وكلام نبيه وفي كلام فصحاء العرب ، وقد قرء بها عثمان بن عفان وأبي وأنس والحسن وأبو رجاء وابن هرمز وابن سيرين وأبو جعفر المدني والسلمي وقتادة والجحدري وهلال بن يساف والأعمش وعمرو بن فائد والعباس ابن الفضل الأنصاري قال صاحب اللوامع وقد جاء عن يعقوب كذلك قال ابن عطية وقرء بها ابن القناع وابن عامر وهي قراءة جماعة من المسلمين كثيرة وما نقله عن ابن عامر وهو خلاف قراءة المشهورة انتهى ما في نيل الأوطار .